انطلق أمس في جامعة الكويت أول اختبارات المتقدمين للالتحاق بالنيابة العامة، ضمن منظومة جديدة للاختيار تعتمد على الاختبارات الإلكترونية بالكامل، في إطار خطة شاملة لتطوير آليات القبول في الوظائف القضائية.
وقال وزير العدل المستشار ناصر السميط، عقب جولة تفقد خلالها سير الاختبارات بمقر كلية العلوم جامعة الكويت بمدينة صباح السالم الجامعية، إن عدد المتقدمين بلغ 1295 من بنات وأبناء الكويت لشغل هذه الوظيفة القضائية المهمة، وهي تمثل إحدى أهم ركائز مرفق العدالة، مؤكدا أن النظام الجديد يمثل «تأسيسا أوليا لعملية ممنهجة ومنظمة» للدفعات المقبلة من أعضاء النيابة.
وأشاد بدور معهد الكويت للدراسات القضائية والقانونية، هذا الصرح القضائي المعروف الذي وضع الاختبارات، ومشهود له بأنه خرج قامات قضائية في الكويت ودول مجلس التعاون الخليجي والدول العربية كذلك، بالتعاون مع لجنة القبول القضائية برئاسة المستشار بدر المسعد المحامي العام الأول وعضوية المستشارين راشد المطر ونجيب الماجد وعبدالله القصيمي وفهد العتيقي، في الإشراف على العملية بالتنسيق مع المعهد.
وبين المستشار السميط أن الاختبارات تجرى إلكترونيا بالكامل من دون أي تدخل بشري في التصحيح، بحيث لن يغادر المتقدم قاعة الاختبار إلا وهو على علم فوري بنتيجته ومعرفة ما إذا كان قد انتقل إلى مرحلة المقابلات الشخصية أم لا، وهو ما لم يكن معمولا به في الدفعات السابقة.
وأشاد بالتعاون مع جامعة الكويت، مثمنا ما وصفه بـ«الاحترافية العالية» في تنظيم الاختبارات، وموجها الشكر لوزير التعليم العالي د. نادر الجلال، ومديرة جامعة الكويت د.دينا الميلم، ونائب مدير الجامعة د. سليمان الرفيع، على الجهود الكبيرة التي بذلتها فرق العمل لإنجاح هذا اليوم.
وأضاف «جميعكم شاهدتم خلال الجولة مدى الشفافية والنزاهة التي تدار بها عملية الاختبارات دون أي تدخل بشري».
وأشار وزير العدل إلى أنه عقب إعلان النتائج سيتم تحديد عدد الذين اجتازوا الاختبار التحريري للتأهل إلى المقابلات الشخصية التي تجريها اللجنة القضائية، على أن ترفع الأسماء لاحقا الى مجلس القضاء ثم تعتمد من وزارة العدل.
خطة للتكويت
وكشف الوزير السميط عن أن المتقدمين الحاليين يمثلون دفعتين من خريجي كليات القانون، مبينا أنه فور الانتهاء من قبول هذه الدفعة سيتم فتح الباب مجددا أمام دفعتين أخريين بنفس الآلية والإجراءات، ومؤكدا أن باب القبول في النيابة العامة سيفتح سنويا.
وأوضح أن هذه الخطوة تأتي في سياق خطة «تكويت» الوظائف القضائية، في ظل توقع مغادرة أعداد من القضاة الأجانب خلال السنوات المقبلة، ونحتاج تعويضهم بكوادر وطنية، الأمر الذي يستدعي عمليات القبول أكبر من السنوات السابقة، ونحن كوزارة وفرنا الدرجات المالية لذلك، والأمر متروك للجنة القبول.
وفي رده على سؤال حول الأخطاء التي شابت بعض عمليات القبول في السابق، قال السميط «بالتأكيد ما حصل السابقة من اخطاء في عمليات القبول «لا يمكن اعتماده» في وزارة العدل لأنها تؤثر على عدالة الاختيار، وهذا الأمر لا نقبل به في الحكومة.
وشدد على أن ما تم تعديله من اختبارات عالج هذه الجوانب من خلال التحول الكامل إلى الاختبارات الإلكترونية.
وأفاد بأن الاختبارات الحالية تطبق «أعلى معايير الحوكمة»، لافتا إلى أن غالبية مؤسسات الدولة أصبحت تعتمد هذا النمط من الاختبارات، وهو ليس «عصيا» على الوظيفة القضائية، وكان من المفترض أن نتبنى هذا الأمر قبل باقي جهات الدولة.
وأوضح أن الاختبار التحريري يمثل «نصف المشوار»، حيث سيكون كل متقدم على دراية بموقفه دون انتظار فترات طويلة كما كان يحدث سابقا، مبينا أن الحصول على 25 درجة من 40 هو الحد الأدنى للانتقال إلى المقابلات الشخصية أمام اللجنة القضائية مشهود لها بالنزاهة والخبرة أن يتم اختيار الأفضل والأجدر لشغل هذه الوظيفة العامة.
وفيما يتعلق بتكويت القضاء، أوضح الوزير أن الخطة تمتد حتى عام 2030، مشيرا إلى أنه في الأول من أكتوبر الماضي انخفضت نسبة الأجانب في هذا المرفق من 20 إلى 17%، وهذا سيحدث تباعا مع استمرار خروج دفعات سنوية من القضاة وأعضاء النيابة من جمهورية مصر العربية، الذين «نكن لهم كل حب وتقدير، فهم من علمونا في هذا المرفق».
وقال وزير العدل «أتى الوقت لأن يتولى أبناء الكويت كامل مرفق القضاء هذا المرفق الحيوي، وهم قادرون على إدارته بكل جدارة واستحقاق».
وتطرق الوزير إلى ملف الوظائف المساندة في المحاكم، كاشفا عن بدء تكويت وظيفة من أهم الوظائف وهي وظيفة «حاجب المحكمة» التي كانت حكرا على العاملين من غير الكويتيين، بعد تعديل مسماها إلى «منسق جلسات قضائية» بالتعاون مع ديوان الخدمة المدنية وفتح باب التقديم للمواطنين.
وأفاد بأن عددا جيدا من المواطنين تقدموا لهذه الوظيفة وهم حاليا في طور الفرز والفحص والمقابلات الشخصية، لافتا إلى أن هذه من آخر الوظائف المساندة التي لم يدخلها العنصر الوطني، متوقعا أن تمثل «إضافة مهمة» للمحاكم خلال الفترة المقبلة.
كما أعلن فتح باب شغل وظيفة «أمين سر جلسة» لأول مرة أمام الكوادر النسائية، مؤكدا أن المرأة الكويتية تشغل اليوم مواقع عدة في المنظومة القضائية، من بينها قاضية، ومديرة نيابة، ووكيلة نيابة، إلى جانب تولي عواطف سند منصب وكيل وزارة العدل وعضوية المجلس الأعلى للقضاء لاول مرة في تاريخ الكويت.
وأعرب عن ثقته بقدرة المرأة على أداء هذه المهمة الدقيقة التي تتطلب قدرا عاليا من التنظيم والترتيب، مؤكدا أن حضورها في هذه الوظائف سيضيف الكثير إلى كفاءة العمل داخل المحاكم.
عملية تشاركية
وردا على سؤال عن آلية القبول في النيابة العامة للسنوات المقبلة، أكد وزير العدل أن القرارات التي تم اعتمادها أخيرا بشأن آلية قبول وكلاء النيابة تؤسس لمنظومة أكثر عدالة وشفافية في التوظيف خلال السنوات المقبلة، موضحا أن قبول وكلاء النيابة أصبح اليوم عملية تشاركية لا تنفرد بها جهة واحدة، بمشاركة وزارة العدل ولجنة القبول القضائية وجامعة الكويت ومعهد الدراسات القضائية والقانونية، وبإشراف قضائي وإداري كامل من الجهات المعنية.
وشدد الوزير على أن المعينين سيباشرون عملهم في البداية كباحثين قانونيين في وزارة العدل إلى حين اجتيازهم الدورة التدريبية المؤهلة لشغل وظيفة وكيل نيابة، مؤكدا أن هذه الآلية ستكون الأساس الذي ستستمر عليه الوزارة، وأن أي إجراء من شأنه تعزيز الشفافية والحوكمة سيتم تطبيقه فورا من دون تراجع.
وفيما يتعلق بتحديث التشريعات، قال الوزير: كما اعلنا في الحكومة أن الخطة الوطنية لتحديث المنظومة التشريعية تستهدف إعادة النظر في نحو 25% من القوانين النافذة، مبينا أن عدد القوانين في الكويت يبلغ 983 قانونا، والمستهدف مراجعة 250 قانونا ضمن خطة زمنية تنتهي في ديسمبر المقبل، حيث تم الانتهاء حتى اليوم من مراجعة 201 قانون وهي وتيرة سريعة جدا.
وبين أن العمل قسم إلى عدة مسارات، من بينها المكتب الفني التابع لوزير العدل الذي يضم مستشارين من المحكمة ورؤساء وأعضاء النيابة العامة، إلى جانب ثماني لجان خاصة مشتركة قضائية وحكومية ومن جمعيات النفع العام، تختص كل لجنة بتعديل قانون رئيسي في الكويت اختصارات للوقت والجهد.
تحديث القوانين
ولفت إلى أن إحدى هذه اللجان فرغت من إعداد قانون جديد للمحاكم الاقتصادية، وهو احد اهم القوانين في الكويت حيث كانت إحدى أهم الملاحظات على دولة الكويت هي ان القضاء الخاص بالفصل في المنازعات التجارية وقضايا المستثمرين الأجانب كان يأخذ فترة طويلة في التقاضي، ولا توجد محاكم متخصصة بإجراءات وخبراء وتنفيذ خاص، على غرار ما هو معمول به في دول المنطقة والعالم المتحضر.
وأشار كذاك إلى أن لجانا أخرى تعمل على تحديث قانون الجزاء الذي لم يطرأ عليه تعديل شامل منذ عام 1970، وقانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية الصادر في ستينيات القرن الماضي، إضافة إلى منظومة التأمين في البلاد بداية من حوادث السيارات مرورا بالتأمين على المباني والمشاريع، وذلك لتحويلها إلى منظومة سريعة وفعالة تختصر زمن التقاضي إلى أسابيع أو بضعة أشهر بدلا من امتداد الدعاوى لسنوات.
ولفت وزير العدل كذلك إلى مراجعة شاملة لقانون العمل الأهلي وما يعرف بالقانون العمالي، مبينا أن النصوص الحالية لا تمكن لا رب العمل ولا العامل من تحصيل حقوقهما بالشكل المنشود، كاشفا عن الاستعانة بخبرات أكاديمية وقانونية من بينها د. أنور الفزيع، أستاذ القانون في جامعة الكويت وخبير سابق في منظمة العمل الدولية، لوضع صياغة محكمة تعالج الملاحظات القائمة على القانون.
وأكد الوزير أن خطة تحديث المنظومة التشريعية تسير بمعدل أعلى من الجدول الزمني المرصود، وأن الهدف الرئيس منها هو تسهيل حياة الناس وتسريع حصولهم على حقوقهم، مضيفا أن «العدالة البطيئة نوع من الظلم» ولا يعقل أن ينتظر المتقاضي سنوات طويلة للحصول على حقه، في حين يفترض أن تحسم كثير من النزاعات عبر إجراءات مبسطة ولجان قضائية أو مختلطة قبل الوصول إلى ساحات المحاكم.
جريدة الحقيقة الإلكترونية
