أكتب هذا المقال بصفتي أباً لأربعة أبناء؛ هاشم، وحمزة، وآدم، وأمير، جميعهم تشرفوا بتمثيل المنتخب الكويتي لكرة السلة، وبصفتي رياضياً سابقاً، وقبل كل ذلك مواطناً يعشق هذا الوطن ويؤمن بأن الرياضة ليست مجرد منافسة داخل الملعب، بل هي مشروع وطني لبناء الإنسان. لذلك، فإن ما سأطرحه ليس بدافع الانتقاد أو البحث عن منصب أو مصلحة شخصية، وإنما بدافع المسؤولية تجاه وطن يستحق الأفضل، وتجاه جيل من اللاعبين يستحق أن يجد من يقوده بفكر ورؤية وكفاءة.
في الدول المتقدمة التي تؤمن بتطوير الإنسان، لا تُنظر إلى الرياضة على أنها مجرد وسيلة للتسلية أو لإشغال وقت الشباب. أما عندنا، فما زلنا نسمع عبارات مثل: “ريّال شكبرك تركض ورا طمباخية!”، وكأن الرياضة عمل بلا قيمة. بينما الحقيقة أن تلك الدول تنظر إلى الرياضة كوسيلة أساسية لبناء الإنسان وصقل شخصيته، وليس بمنظور سطحي كما هو الحال لدينا.
فالرياضة تسهم بشكل كبير في بناء شخصية الإنسان الناجح، وتنمية قدراته، من خلال:
١- تعزيز الصحة الجسدية والنفسية.
٢- ترسيخ الالتزام وتحمل المسؤولية.
٣- تنمية القدرة على اتخاذ القرار تحت الضغط.
٤- إدراك أهمية العمل الجماعي ودور كل فرد داخل الفريق.
٥- غرس الشغف بالتطوير المستمر.
٦- تعلم وضع الاستراتيجيات والخطط للتغلب على المنافسين.
٧- بناء عقلية المنافسة والإصرار على النجاح.
٨- تنمية الإبداع والقدرة على إيجاد الحلول.
والأهم من ذلك كله، أن الرياضي يعتاد على وضع الأهداف والسعي لتحقيقها، ثم البحث عن أهداف أكبر وأكثر صعوبة، سواء في الرياضة أو في الحياة بشكل عام.
ومن المفاهيم الخاطئة المنتشرة في مجتمعنا أن الرياضة تعيق التحصيل العلمي، بينما الواقع يثبت العكس. فالرياضي الطموح غالباً ما ينعكس التزامه وانضباطه على مستواه الدراسي، لأنه يدرك أهمية العلم لمستقبله المهني، بل وحتى لتطوره كرياضي.
لدينا نماذج كويتية مشرّفة أثبتت أن النجاح الرياضي لا يتعارض مع النجاح العلمي والعملي والاجتماعي. ومن أبرزهم، رحمه الله، سمير سعيد، وكذلك فيصل بورسلي. فقد نجحا رياضياً، وحققا نجاحاً في حياتهما العملية والاجتماعية، وما زالا يحظيان بمحبة واحترام أهل الكويت حتى اليوم.
ومع الأسف، ورغم ما يمتلكانه من تاريخ وخبرة رياضية وإدارية وتجارية، ورغم رغبتهما الصادقة في تطوير الرياضة الكويتية، إلا أنهما لم يحصلا على الدعم الذي يستحقانه، بل تمت محاربتهما وإبعادهما عن مراكز التأثير.
في الأندية الأوروبية والأمريكية، تتكون الإدارات من نخبة الإداريين والمتخصصين وأصحاب الخبرة الفنية. فالإدارة تضع رؤية واضحة، وخطة استراتيجية، وأهدافاً قابلة للقياس، وجدولاً زمنياً للتنفيذ، مع مراجعة دورية للأداء ومحاسبة مستمرة وفق النتائج. وفي الوقت نفسه، يكون لأهل اللعبة دور أساسي في تقديم الرأي الفني وتوجيه الإدارة لتحقيق تلك الأهداف.
أما في اتحاد كرة السلة الكويتي، فالمشكلة ليست في نقص الإمكانيات، بل في غياب الكفاءة. فالكثير من الإداريين لا يملكون خبرة حقيقية لا في كرة السلة، ولا في الإدارة، ولا حتى في التخطيط. ومن واقع تجربة شخصية، فإن بعض الأعضاء أصبح اهتمامهم منصباً على السفر بدرجة رجال الأعمال، والجلوس في المنصات الرسمية بالمحافل الدولية، حتى لو عاد المنتخب بالمركز الأخير ومن دون أي انتصار.
هذه الراحة والاطمئنان التي يعيشها بعض المسؤولين ناتجة عن غياب المحاسبة الحقيقية، فلا أحد يسأل: لماذا تراجع مستوى اللعبة؟ ولماذا أصبح المنتخب يخسر أمام منتخبات كانت في الماضي أقل منا مستوى؟
بل إن أحد أعضاء الاتحاد لا يملك أي خبرة فنية أو إدارية في كرة السلة، وكانت أبرز مسؤولياته في أحد الأندية الإشراف على تصميم الفانيلات والدلاغات، ثم أصبح بين ليلة وضحاها عضواً في الاتحاد، يشارك في رسم مستقبل كرة السلة الكويتية واتخاذ القرارات التي تخص أبناءنا.
وللإنصاف، فإن المسؤولية لا تقع على عاتق الاتحاد وحده، بل تمتد أيضاً إلى الأندية، لأن مخرجاتها خلال السنوات الأخيرة لا تواكب الطموح. فالحقيقة التي يجب أن تُقال هي أنه لا يوجد بناء حقيقي وصحيح لأساسيات كرة السلة في المراحل السنية بجميع الأندية، ومن دون استثناء. فاللاعب عندما يصل إلى المنتخبات السنية يجب أن يكون قد أتقن أساسيات اللعبة داخل ناديه، لا أن يبدأ بتعلمها في المنتخب.
ولذلك، أستغرب من حالة الاستياء التي تظهر أحياناً عند عدم اختيار عدد أكبر من اللاعبين من نادٍ معين لتمثيل المنتخب، بينما يغيب التقييم الصريح لمستوى المخرجات الفنية لذلك النادي. فبدلاً من توجيه اللوم للمنتخب أو للأجهزة الفنية، علينا أولاً أن نسأل: ماذا قدمت أنديتنا؟ وما مستوى العمل الفني داخلها؟ فالإجابة أصبحت واضحة للجميع من خلال المستوى الفني للاعبين، وهو انعكاس مباشر لمستوى التدريب والتأسيس الذي يتلقونه منذ الصغر.
إصلاح كرة السلة لا يبدأ عند المنتخب فقط، بل يبدأ من المدرب الذي يعلّم الطفل أول تمريرة، وأول محاورة، وأول تصويب. فإذا كان الأساس ضعيفاً، فمن الطبيعي أن تكون المخرجات ضعيفة، مهما بذل المنتخب من جهد لاحقاً.
ولكي لا يكون كلامي مجرد انتقاد، فقد أعددت دراسة متكاملة تتضمن خطة عملية للنهوض بكرة السلة الكويتية. وشرحت مختصراً منها لأحد أعضاء الاتحاد، وأبلغته باستعدادي لعرضها على مجلس الإدارة بشكل تطوعي، فأنا لا أبحث عن منصب، ولا عن عضوية في الاتحاد، بل عن مصلحة اللعبة فقط.
لكن كان الرد بكل بساطة: “ترا الصبر زين.”
ولم أكتفِ بذلك، بل قدمت الدراسة رسمياً إلى الهيئة العامة للرياضة وإلى وزارة الرياضة عبر منصة سهل، وأرفقت الخطة كاملة مع الطلب، وحتى اليوم لم أتلقَّ أي رد.
وفي الختام، لا تستغرب عندما ترى منتخب عُمان للشباب يحقق أول فوز في تاريخه على المنتخب الكويتي. فهذه ليست مفاجأة، وإنما نتيجة طبيعية لسنوات من التخبط الإداري، وغياب الرؤية، وانعدام المحاسبة.
رسالتي ليست موجهة ضد أشخاص، وإنما من أجل لعبة أحببناها وخدمناها، ومن أجل شباب الكويت الذين يستحقون بيئة رياضية أفضل، ومن أجل وطن يستحق أن يكون في المكانة التي تليق به.
إصلاح كرة السلة الكويتية لن يبدأ من داخل الملعب، بل يبدأ من الإدارة، ومن اختيار أصحاب الكفاءة والخبرة، ومن تطوير أنديتنا، والاهتمام الحقيقي بالمراحل السنية، ووضع رؤية واضحة ومحاسبة حقيقية. عندها فقط، سنعود لننافس ونفخر بمنتخباتنا كما كنا في السابق.
الكاتب ميثم اسد
جريدة الحقيقة الإلكترونية
