على الرغم من تحسن الأوضاع الأمنية في تونس إلا أنها ما زالت تعيش أزمة سياسية واقتصادية خانقة دفعت الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي الشهر الماضي إلى الدعوة لتشكيل حكومة وحدة وطنية لمواجهة الانتقادات المتكررة لأداء الحكومة الحالية التي يقودها الحبيب الصيد.
واقترح قائد السبسي في مقابلة مع التلفزيون التونسي الرسمي أن تضم الحكومة المزمعة الاتحاد العام التونسي للشغل ويمثل النقابة العمالية الرئيسية والاتحاد العام التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية الذي يمثل (منظمة الأعراف) بالإضافة إلى تغيير رئيس السلطة التنفيذية الحالي والاتفاق على برنامج عمل حكومة الوحدة وتشكيلتها.
غير أن هذا المقترح الذي كان يرمي إلى إخراج تونس من أزمتها السياسية أثار جدلا ما يزال متواصلا بين مختلف الأطراف التي آثر بعضها مثل (الجبهة الشعبية) ذات التوجه اليساري إلى مقاطعة المشاورات التي أشرف عليها الرئيس التونسي وشاركت فيها عدة أحزاب وتوجت بالتوقيع على (وثيقة حكومة الوحدة الوطنية).
وفي هذا الصدد رأى المحلل السياسي منذر ثابت في مقابلة مع وكالة الأنباء الكويتية (كونا) أن “الأمر حسم سياسيا على مستوى الأحزاب التي شاركت في مشاورات قصر قرطاج ونستطيع القول إن حكومة الوحدة الوطنية أصبحت واقعا مؤجلا إلى حين قريب خاصة أن حركة (النهضة) التي ساندت رئيس الحكومة الحالي الحبيب الصيد قبلت باقتراح الرئيس قائد السبسي بتشكيل حكومة ستكون لها فيها حصة وزارية تتناسب مع حصتها النيابية باعتبارها أكبر كتلة في البرلمان التونسي حاليا”.
وتوقع ثابت أن تجري حكومة الوحدة الوطنية المزمعة إصلاحات هيكلية خاصة على المستوى الاقتصادي تتوافق ومطالب الجهات الدولية المانحة ولا سيما صندوق النقد الدولي الذي دعا في أكثر من مناسبة تونس إلى إجراء إصلاحات اقتصادية كبيرة.
وأكد أن الحكومة المقبلة ستسعى لإشراك وإدماج أكبر قدر ممكن من الأطراف والشرائح الاجتماعية وفي مقدمتها الاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد العام للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية “خصوصا أنها ستقدم على إصلاحات مؤلمة ولن تكون حكومة شعبية وهو ما يفسر تردد بعض الأطراف السياسية ورفضها المشاركة فيها ومنها (الجبهة الشعبية)”.
وحول الجدل القائم بخصوص رئيس حكومة الوحدة الوطنية المزمعة توقع ثابت تغيير رئيس الحكومة الحالي الحبيب الصيد “الذي أصبح في قطيعة مع الرئيس قائد السبسي فقد استقبله الأخير يوم الاثنين الماضي في قاعة الضيوف بقصر قرطاج على عكس العادة التي جرت على استقبال أعضاء الحكومة في قاعة الاجتماعات وهي إشارة تعكس مدى فتور العلاقة بين الرئاسة التونسية ورئاسة الحكومة”.
من جانبه اعتبر رئيس حزب (الإتحاد الوطني الحر) المشارك في الائتلاف الحاكم بتونس سليم الرياحي أن المصادقة على الوثيقة التوافقية لمبادرة الرئيس التونسي حول تشكيل حكومة وحدة وطنية “خارطة طريق للحكومة المقبلة” داعيا “الأحزاب الكبرى إلى أن تواصل الدفع باتجاه تشكيل الحكومة في أسرع الآجال وقبل العطلة البرلمانية”.
وطالب الرياحي في بيان بتشكيل وفد من الأحزاب للقاء رئيس الحكومة الحالي والتباحث معه في كيفية الانتقال السريع للسلطة “وبذلك نفسح المجال لرئيس الجمهورية ليمارس حقه الدستوري بتكليف الشخصية المناسبة لترؤس الحكومة الجديدة طبقا لمقتضيات الدستور بعد التشاور مع مختلف القوى السياسية والمنظمات المكونة للمبادرة”.
وشدد على “ضرورة تغيير كل الوزراء الذين لم يكن أداؤهم بحجم تطلعات الشعب ولم تكن فاعليتهم بحجم الهالة الإعلامية التي دارت حولهم” معتبرا انه “بهذا فقط يمكن أن نضمن الحد المعقول لفرص صمود هذه الحكومة إلى الانتخابات التشريعية المقبلة”.
في السياق ذاته دعت رئيسة (منظمة الأعراف) في تونس وداد بوشماوي إلى الإسراع في تشكيل حكومة وحدة وطنية لتجاوز الوضع الاقتصادي الصعب مؤكدة في تصريح صحفي عقب لقائها الرئيس التونسي يوم الاثنين الماضي أن الوضع الأمني العام في تونس يشهد تحسنا إلى جانب تحسن لمؤشرات اقتصادية في عدد من القطاعات لكنها أشارت إلى أن الوضع الاقتصادي بشكل عام لا يزال صعبا.
وذكرت بوشماوي في هذا الصدد أن “منظمة الأعراف تؤيد مبادرة حكومة الوحدة ونحن ننتظر وضوح الرؤية وخاصة الرؤية السياسية لأن ذلك سيكون له انعكاس على الاستثمار كما ننتظر الفصل في كل هذه الأمور في القريب لأن تونس لا تتحمل المزيد من الانتظار”.
في المقابل حذر مرشح سابق للانتخابات الرئاسية الأخيرة من أن “تونس تشهد أزمة سياسية مركبة ومبادرة تشكيل حكومة وحدة وطنية هي فكرة ميتة وسيئة وستزيد الطين بلة لأن الطبقة السياسية في تونس عجزت عن تسيير حكومة ائتلاف يتكون من أربعة أحزاب فما بالك بقيادة وتسيير حكومة تمثل جميع الأطراف السياسية والاجتماعية”.
وأضاف الكاتب والمحلل السياسي الذي طلب في مقابلة مع (كونا) عدم الكشف عن هويته أن “هذه الفكرة تجسد احتيالا على الديمقراطية التي تقتضي أن يحكم ويسير دواليب السلطة من يفوز بالانتخابات وكان على حزب (نداء تونس) الذي شكله الرئيس قائد السبسي وفاز بالانتخابات التشريعية والرئاسية الأخيرة أن يشكل حكومته ويطبق برنامجه لا أن يختفي وراء ائتلاف حاكم من أربعة أحزاب وها هو اليوم يحاول توزيع فشله على عدد أكبر من الأطراف”.
وأكد أن “مبادرة تشكيل حكومة وحدة وطنية وضعت كل الطبقة السياسية التونسية في مأزق سياسي إذ أنه وفي حال الفشل بسحب الثقة من رئيس الحكومة الحالي (الحبيب الصيد) داخل البرلمان قد تشهد تونس سيناريو مخيفا حيث سيصبح لديها حكومتان الأولى عجزنا عن سحب الثقة منها ولا تزال قائمة دستوريا والثانية اتفقنا على برنامج عملها لكننا عجزنا عن منحها السلطة”.
وأوضح أن اقتراح تشكيل حكومة وحدة وطنية ما هو إلا انعكاسا لأزمة حزب (نداء تونس) الحاكم الذي فاز بالانتخابات التشريعية والرئاسية لكنه انقسم إلى ثلاثة أحزاب حاليا مؤكدا أن الحل الطبيعي للأزمة السياسية التي تشهدها تونس هو الذهاب إلى انتخابات مبكرة “وهو حل مر لكنه أفضل من الحل الأمر الذي يتمثل في أن تصبح تونس دولة بحكومتين”.
ويتوقع مراقبون أن تعلن تونس في 25 يوليو الجاري وبمناسبة عيد الجمهورية عن تشكيل حكومة الوحدة الوطنية لتحل مكان حكومة الحبيب الصيد الحالية التي استلمت مهامها مطلع عام 2015 بعد الانتخابات التي جرت في نهاية 2014.
كونا
جريدة الحقيقة الإلكترونية
