محاولة أوباما التواجد في آسيا، لم يكن فقط بشأن أهمية التطورات في هذه المنطقة، لكن أيضًا ينم عن عدم الاهتمام والموارد، التي أنفقتها الولايات المتحدة في كل مكان آخر، خصوصًا الشرق الأوسط . فمعظم النفوذ والدماء، التي خسرتها أمريكا في الخارج في العقدين الماضيين، كانت في الشرق الأوسط، وهي الخسارة التي لم تجلب أي نفع. الأثر الصافي العائد على مصالح أمريكا، وفق العديد من الأوجه، كان سلبيًا.
تركيز أمريكا على الشرق الأوسط، استمر لأسباب مختلفة، بعضها بسبب الشخصية الفريدة للمنطقة، والبعض الأخر يتعلق بالسياسات الداخلية. هناك قضية النفط بالطبع، ما يعدّ سببًا كبيرًا للاهتمام، منذ أن قابل الرئيس الأمريكي “فرانكلين روزفلت” ابن سعود على السفينة الأمريكية في قناة السويس، خلال الأشهر القريبة للحرب العالمية الثانية.
كمهد للأديان السماوية الثلاثة، يرتبط الشرق الأوسط بالترشيد الديني للتطرف الشديد، الذي شغل أمريكا لمدة خمسين عاماً. العادات القديمة منذ الحرب العالمية، بإظهار المنطقة كمكان لتنافس القوى العظمى، تم تشجعيه من قبل النشاطات الروسية الحديثة فيها. يتغذى ذلك الاهتمام على نفسه، الكثير من الاهتمام بشأن صراع ما، مثل الصراع السوري، ليس فقط بشأن المعارك الدامية على الارض، لكن أيضا تتعلق بالإبقاء على أن المعركة، تعدّ اختبار ما لنشاط أمريكا.
الإدارة الأمريكية الجديدة، لن تكون قادرة أكثر من الماضية على صياغة سياسة تجاه الشرق الأوسط من البداية، وستكون عرضة للطغيان المعتاد الداخلي. إلى حد ما، فإن تكريس الاهتمام الكبير للمشاكل المتبقية، جديرة بالثناء. وكسرت الولايات المتحدة الكثير في الشرق الأوسط. ومع ذلك فإن الإدارة الجديدة تحتاج للعودة للأساسيات، وتنظر باهتمام أكبر، ما الذي يعدً مهمًا لمصالح الولايات المتحدة، وما لا يهم.
مدى التدخل الأمريكي في الشرق الأوسط، ينطوى على عدد من الأهداف ( على سبيل عزل الرئيس السوري)، التي تحاول حلها، كما لو أنها تخص المصالح الأمريكية. علاوة على ذلك، تكريس مسؤولية الاهتمام لما هو مكسور، انحرف ليكون بشأن معالجة التكاليف الثابتة، كاستثمار يعمل بشكل نشط، على أمل أن يكون له عائد إيجابي، وهى وجهة النظر المتبعة في العراق.
ما زالت قضية النفط مهمة، على الرغم أن أهميتها لا ترتبط بشكل كبير بالاستهلاك المحلي، كما هو الآن، بشأن تأثيرها على الاقتصاد العالمي. تقليل العنف المتطرف، مصلحة شرعية أخرى في الشرق الأوسط، حيث يمكنها أن تؤذي المواطنين الأمريكيين وممتلكاتهم. وعلى الرغم من أن الربط بين الوضع على الأرض في الشرق الأوسط، والتهديد الإرهابي في الغرب، أمر مبالغ فيه، فإن الأحداث في المنطقة، تؤدي لهجمات في المناطق الآخرى. وتملك الولايات المتحدة مصلحة في الهزائم المتتالية لجماعة داعش، لتبديد أي صورة متبقية للفوز ، التي تساعد في تحفيز القومية، في الغرب.
الحد من تزايد الأسلحة، يجب أن يكون ضمن أولويات الإدارة الجديدة. وتعتبر “إيران”، التي تملك برنامجًا نوويًا، بمثابة جرس الإنذار، حيث تراجعت عن برنامجها النووي، وأي طريق لأسلحة نووية، تم منعها من قبل اتفاقيات متعددة الأطراف، تمت في العام 2015. ويقدم الاتفاق نموذجًا لجهود عدم الانتشار النووي، التي تشمل قيودًا أكثر صرامة، ورصدًا شاملًا لأي دولة تريد برنامجًا. في الوقت الحالي، يمثل انتشار الأسلحة التقليدية المشكلة الكبيرة، مثل انتشار ترسانة الأسلحة في ليبيا، بعد سقوط القذافي.
المكانة التي يمثلها الموقع الجغرافي للشرق الأوسط، كمفترق طرق قارية، يستلزم مجموعة آخرى من المصالح، ومنها التدخل والعبور العسكري، ويشمل مرورًا سلسًا من خلال قناة السويس، كعنصر في الإسقاط العالمي للقوة العسكرية الأمريكية. لكن لا يجب أن يختلط طرق الوصول بالنهاية. الوجود العسكري في الشرق الأوسط، لا يملك منفعة إيجابية لأمريكا، ويمكن اعتبار نتائجه عكسية، كرد فعل على الوجود الأمريكي على الأرض، مع العواقب العنيفة.
يعتبر الأمر أمنًا قوميًا، حيث أنه لا يوجد أي قوى عظمة هيمنت على الشرق الأوسط، يتنافس الأطراف ضد بعضهم البعض. مثل هذا التوازن، يمنع أي دولة من تمثيل تهديد كبير خارج المنطقة، ويساعد الدخلاء -ومنهم الولايات المتحدة- في إقامة مشاريعها فيها. لحسن الحظ -عكس شرق آسيا، حيث كان السؤال المهم فيه كيف ستصبح الصين المهيمنة أكثر قوة- لا يوجد أي تهديدات معقولة من المهيمنين على المنطقة، الذين يظهرون في الشرق الأوسط. الدولة الإقليمية، التى تملك أقوى جيش وأكثر اقتصاد متقدم، وهي إسرائيل، تلقي ثقلها العسكري حولها، لكنها لن تصبح رئيسة على المنطقة العربية.. القوة العسكرية لأكثر دولة مأهولة بالسكان، وهي مصر، ضعفت وهيمنت على الدولة مشاكل اقتصادية وداخلية.
الدولة التالية المزدحمة بالسكان في المنطقة، هي إيران، التي لا تعتبر أيضًا مرشحة للهمينة الإقليمية، على الرغم من أن الخطابات الشعائرية تقترح ذلك. وتصارع إيران اقتصاديًا، ولا يعتبر جيشها متقدمًا تكنولوجيًا، مثل القوات المسلحة لدول الخليج. ومع الصراعات الإقليمية، وتزايد ارتسامها بالخطوط الطائفية، فإن الدولة الشيعية المتمثلة في إيران، لا تملك فرصة للسيطرة على المنطقة، التى يعتبر غالبيتها من السنة والعرب.
بعد أربع عقود من الثورة، أدرك القادة الإيرانون مثل الجميع، أن أي آمال كانوا يملكوها لثورات شبيهة في المنطقة، تحطمت مع صحوة العرب، بعدم إضافتهم التأثير الإيراني، وفي بعض المناطق مثل سوريا توقفها. مثل هذا الإدراك يؤثر على سياسات إيران الإقليمية، التي تستلزم الدفاع عن الأنظمة المتواجدة في سوريا، وتتضمن ما يوازي جهود الدفاع الأمريكي في العراق. في المناطق التى لا تدافع إيران فيها عن الموقف الراهنة، تتدخل ضد منافسيها في المنطقة، مثل السعودية في حربها على اليمن. وتفضّل التغيير، ما يفضله كل من في المنطقة ( في الأراضي الفلسطينية) .
وتملك الولايات المتحدة أيضًا، مصلحة في منع الصراعات المسلحة، التي أصبحت شديدة لدرجة أن المعاناة الإنسانية تصاعدت، وعدم الاستقرار واللاجئين تم تصديرهما. النقطة الأساسية التي يجب تذكرها، أن هذا التأثير السلبي، الذي يجب تجنبه، يأتي من الصراعات المسلحة نفسها، أكثر من نتائجها. أكثر مصلحة ملحة لأمريكا في الشرق الأوسط، هو تقليل إنفاق الدماء الأمريكية والأموال، وتجنب الأفعال التي تحفز الأفعال الإنتقامية العنيفة. هذا المفهوم عادة ما يتم ، كعدم اعتباره أساسًا للإستراتيجة. سواء امتنعت الإدارة الجديدة عن فعل الأشياء الغبية أم لا، سنعرف بعد أربع سنوات من الآن، لأن ما ستفعله سيتقابل مع نجاحها أو فشلها.
بعض المعايير، كانت تستخدم لقياس التقدم المفروض أو الانسحاب، لأمريكا من الشرق الأوسط: أحدهما هي الديمقراطية، على الرغم من القيمة الجوهرية من السيادة الشعبية. بعيداً عن تقديم الدعم للمظالم، التي قد تؤدي لسبل عنيفة ومتطرفة، لكن لديها تأثيرًا مباشرًا قليلًا على مصالح الولايات المتحدة في المنطقة. ضعف الديموقراطية في الشرق الأوسط، يجعلها معيارًا فقيرًا لتفضيل دول عن أخرى. تعتبر تونس أكثر دولة ديمقراطية في المنطقة، لكنها صغيرة وهامشية للقضايا، التي يُتخد فيها قرارات من قبل صانعي القرارات في الولايات المتحدة. في إسرائيل والمناطق التي تسيطر عليها، فإن الديمقراطية جيدة، تعمل في المناطق المسيطرة عليها، لكنه نظام قائم على الفوارق العرقية والدينية، التى ينقص سكانها الحقوق السياسية.
لدى إيران، انتخابات رئاسية وبرلمانية، تهم ويشارك فيها الشعب، لكن ديمقراطيتها أفسدت بفعل قوى غير المنتخبين في النظام، الذين يفعلون أشياء مثل التنحية التعسفية للمرشحين. وتعتبر الديمقراطية في لبنان، مقيدة بالصفقات التي تقوم بها الطوائف، في مصر تعتبر الديمقراطية زائفة، يرأسها رجل عسكري قوي، وفي الممالك مثل الكويت، فإن المجالس المنتخبة يمكن حلها من العائلة المالكة.
من المعايير المضللة، التي أصبحت موضة مؤخراً، معاملة المنطقة بشأن الحرب الباردة، وفيها يتم تقليل أو زيادة النشاط الروسي، بالتساوي مع تقدم أو تراجع أمريكا. ويعتبر هذا المفهوم معيبًا. لا يوجد تنافس أيدولوجي دولي، يقارن بذلك الذي بين أمريكا والاتحاد السوفيتي. في الشرق الأوسط لا يوجد أيدولوجية إقليمية لازمة للناصرية الاشتراكية العربية. مصالح أمريكا وروسيا في المنطقة، ليست محصلتها صفر. بجانب أن أي كارت لستايل الحرب الباردة، سيظهر أن الوجود الطويل لموسكو في سوريا، بشأن تواجدها المباشر طويل المدى في المنطقة، أبسط من التواجد الأمريكي في مصر والبحرين، وأي دولة بينهمًا.
واحدة من الخصائص الرئيسية، لتوثيق الصلة بين الشرق الأوسط وصانعي القرارات خلال فترة الإدارة الأمريكية القادمة، هي نتائج الربيع العربي. مازالت المنطقة ترتجف بفعل الثورات، الأمل في الديمقراطية والاستقرار لم ينتهِ. أهداف القوى الخارجية، ومنها الولايات المتحدة، يجب أن تُصاغ، ليس في أي اتجاهات كبرى للمنطقة، لكن في تقليل الأذى الذي يحدث الآن. خطوط الصراعات في المنطقة معقدة، مثل أي صراعات في العالم، مع الانتماءات العرقية والدينية والوطنية والإيدولوجية، التي تتقاطع بطرق ترفص الجهود.
للتبسيط، يتم تمثل هذا التبسيط بمفاهيم محاور الشر، يصطف المعتدلون على صعيد المنطقة ضد المتطرفين، أو محور روسيا وإيران وسوريا، كصفة لتحديد المشاكل الأمنية في المنطقة، التي يجب إهمالها. مشهد الشرق الأوسط، سلسلة من الحظ السيء للجيش الأمريكي. أكبر شيء يدل على هذا الحظ السيء، غزو العراق في 2003، ما أثّر على ارتجاف المنطقة الكبير، وجود حرب أهلية في العراق، حفّز الصراعات الطائفية وميلاد داعش. وفوز طرف، كان بشكل آخر خسارة، ورد على موقف غير محتمل، خلال السنوات التالية: العدوان السافر، الذي تتدخل من خلاله دولة في شؤون أخرى. يجب على صناع القرار أخذ هذا التاريخ، ليس كخوف من الأداة العسكرية، لكن كتذكير لأخذ حدودها في عين الاعتبار، والعواقب قبل الدخول في مشاكل الشرق الأوسط .
مع هذا التاريخ في الاعتبار، المبدأ الأول، الذي يجب على الإدارة الجديدة ملاحظته، خلال مرحلة صنع القرار تجاه المنطقة، أن لا يوجد أي ضرر . المبدأ الثاني، الإبقاء على التكاليف والمخاطر، بما يتناسب مع الفوز لمصالح أمريكا. ثالثاً الإدراك أن ليس كل المشاكل -حتى الصعبة منها- ستحل، وحتى إذا تم ذلك، لا تعتبر أمريكا أفضل من يحلهم دوماً. عادة ما تكون المصالح والأهداف للأطراف الأخرى في المنطقة، يجب أن تتداخل، وذلك يعني أحيانا الاةستفادة من التوازن في المصالح المتصارعة.
ما يأتي بنا إلى الأساس الواقعي، وحتمية توسيع الولايات المتحدة لنفوذها، وفرصه عن طريق التعامل الحر مع كل دولة في المنطقة، وتتحرر من دخولها في منطقة عدو أم صديق. لفعل ذلك، لا يعني التخلي عن الأصدقاء، لكن بدلا من الاعتراف أن كل دولة لها مصالح متوازية، وبعضها تتصارع مع الولايات المتحدة الأمريكية.. هذا النهج يستغل مصالح العدو، الذي تتوازى مصالحه مع مصالح الولايات المتحدة، تقليل خطر الأصدقاء أو الأصدقاء المزعومين، أصبح صعبًا، لكنه يتيح الفرصة للولايات المتحدة، للاستفادة من لعبة الأطراف ضد بعضها على الاقل، لأن أمريكا أصبحت هدفًا لبعض هذه الأطراف.
سياسة الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط، يجب أن تتم بعناية، ليس فقط من خلال المواجهة للمشاكل العاجلة، لكن ما سيأتي لاحقاً، هذا النوع من الانتباه، الذي نقص في غزو العراق. صناع القرار في واشنطن يحتاجون أيضاً لأخذ أفعالهم، التى تشكل آفاق الولايات المتحدة بعين الاعتبار. سياسة أمريكا تجاه الشرق الأوسط في العقود الأخيرة، خصوصًا ما يشمل نشاط الولايات المتحدة العسكري هناك، أدى لتأكيد أنهاضد المسلمين، ما أدى لتزايد العنف ضد الولايات المتحدة.
هذه المبادئ تختلف في بعض الأوجه الواضحة، من الحوار السياسي والشعبي السائد في الولايات المتحدة، بشأن السياسة الخارجية. هناك ميل قوي لافتراض أن الولايات المتحدة يمكنها حل أي مشكلة كبيرة في الخارج، إذا وضعت ذلك في تفكيرها. هناك ميل للتفكير في الشرق الأوسط كأصدقاء وأعداء. بالتأكيد هناك تسارع سياسي وميل للتفكير أكثر، بشأن الوضع الحالي، ولرؤيتها تفعل شيئًا بشأن ذلك، بدلا من التركيز على التداعيات طويلة المدى. من خلال بعض الآراء، يعتبر التحدي الأكبر للإدارة الجديدة، التعامل مع المعارضة الداخلية.. مقترحات السياسة الواقعية، يجب أن تاخذ في الاعتبار الحاجة للتغلب على المعارضة.
ستكون سوريا، القضية الأساسية في القضايا العاجلة، التي تحتاج لتحرك. وكن الحرب المعقدة في سوريا، تعدّ قضية كلاسيكية للفوضى، مع عدم وجود حل جيد. معظم النقد للسياسة الحالية، تكوّن من سخط بشأن الاستمرار في الفوضى المميتة، بينما لم تعط اهتمامًا كافيًا للقصور وللحلول البديلة. صعوبة محاولة السعي لقضية جيدة، دون مساعدة القضية السيئة على أرض الواقع، من خلال التعاون، واختلاط قوى المعارضة مع القاعدة.
لا تملك الولايات المتحدة مصلحة هائلة في التركيبة السياسية لمستقبل السلطة في دمشق. شعار “الأسد يجب أن يرحل” يجب التخلص منه. يوفر الأسد أقرب شيء للاستقرار، الذي عاشه المواطن السوري. البديل الوحيد في الصورة لن يكون أفضل للاستقرار، وعرضة ليكون أقل جاذبية فكرياً. لن يدرك الأسد أن هدفه المعلن باستعادة كل شبر من سوريا، لكن لا يوجد حل في هذه الحرب تجعله يترك نظامه، مع دعم روسي إيراني. الاشمئزاز المفهوم بشأن قسوة النظام، لا يجب أن يقود القلب لتجاوز السياسات. ولا يجب على صناع القرار ارتكاب خطأ بالرد على المعاناة الإنسانية، من خلال تسارع وتيرة الحرب. هناك أسئلة تحتاج لأجوبة، تتضمن متطلبات حماية القوات، وما يعنيه من النطاق العام للعملية العسكرية، ومخاطر تزايد أكبر لوتيرة الحرب، من خلال قتال مباشر بين أمريكا وروسيا.
أكبر مساهمة إيجابية يمكن للولايات المتحدة فعلها بشأن الوضع السوري، يتضمن عددًا من الحلول الدبلوماسية، التي تشجع أطرافًا خارجية، لتعزيز عدم تسارع الوتيرة ودعم التنازلات . لتقديم عدد من الحلول الدبلوماسية، تتجاوز الاحتكار الثنائي بين أمريكا وروسيا، التي وضعت عدد من الحلول الفاشلة لوقف إطلاق النار، يتطلب تدخل تركيا وإيران ودول الخليج . يجب أن تبنى الدبلوماسية الأمريكية على المصالح المشتركة، في عدم رؤية مذابح مستمرة لاجل غير مسمى في الوقت الذي تتعرف فيه على الدوافع الخفية لهذه المصالح.
سواء أحببنا ذلك أم لا فإن دافع روسيا، وضع قدم في سوريا، حتى مع وجود نظام يحكم جزءًا من الدولة، هو أقوى من دافع أمريكا هناك. لكن دافع الاسد في الاستمرار لازال الأقوى .
تستمر الولايات المتحدة في امتلاك مصلحة من تدمير داعش. الحد من هذا الكيان كافٍ، ويجعل التساؤل للإدارة الجديدة، أقل بشأن التسرع في تدميره، وأكثر بشأن زراعة الظروف التي لا تؤدي للتطرف العنيف. لا يوجد مكسب صافٍ لمصالح الولايات المتحدة، إذا كان وجود قليل لداعش، يعني وجودًا أكبر لجبهة فتح الشام، فرع القاعدة الذي يقاتل بجانب المعارضة المعتدلة في سوريا. في بعض الظروف يعتبر النظام أقل بديل محتمل سيء لداعش.
في العراق، سيتم التخلص من وجود داعش في الموصل، بمجرد وصول الإدارة الجديدة. ستكون الأسئلة بشأن كيف يمكن تزويد بعض المناطق بالإدارة المدنية، وكيف سيتم مكافحة التمرد المحتمل، الذي طال أمده في شرق العراق. لا تملك الولايات المتحدة رسم طرق السيطرة والمسؤولية، لكنها تملك مصلحة في تقليل القتال بين معارضة داعش، التي تؤدي لعدم الاستقرار في هذا الجزء من العراق. بعض الأطراف ذات الصلة، مثل تركيا وميليشيات الأكراد والحكومة المركزية في بغداد، يعتبرون أصدقاءً لأمريكا، ما يمكن استغلاله لتقليل الآثار.
يجب أن تواجه الإدارة الجديدة، قضايا أكبر في العراق، من خلال مساعدة بغداد للوقوف على قدمها. في الوقت نفسه، فإنه لإقامة عراق مستقرة، يتطلب ذلك سلطة لا مركزية لا تواجه حكومة العراق أي شيء، مثل التحديات المدعومة خارجيًا لوجودها، وأوضح رئيس الوزراء “حيدر العبادي” تفهمه للحاجة للشمولية في حكم البلاد. يجب على الولايات المتحدة استخدام مساعدتها لتشجيع العمل على هذا الوعي، واستخدام الدبلوماسية لتشجيع آخرين، خصوصًا دول الخليج، لدعم حكومة العبادي. وجود مستمر لقوات الولايات المتحدة، يجب ألا يكون ضمن هذه التشكيلة، مثل هذا الوجود لا يضمن الاستقرار الشمولي، وهو ما ظهر من قبل. وهذا أيضاً ينفي مفهوم مساعدة الدولة، لتقف على قدمها .
بعض من سياسات الولايات المتحدة، التي تأتي بنتائج عكسية، بشأن التدخل العسكري السعودي في اليمن. هذا التدخل تسبب في خسائر للمدنيين، وتحول لكارثة إنسانية. صنعت الولايات المتحدة أعداءً كان لا يمكن أن تصنعهم، وأضعفت أخلاقها التي جعلتها من قبل تنتقد روسيا ونظام الأسد لإيذاء المدنيين في سوريا. لحسن الحظ أن الفزع بسبب اليمن، تسبب في تصاعد الأمر إلى الكونجرس، لتقديم بعض الأسس السياسية للإدارة الجديدة، للخروج من هذه الأزمة العسكرية. لا تملك الولايات المتحدة أي شأن في اليمن، ويجب أن تقدم دعمًا دبلوماسيًا لإنهاء هذه الحرب. هذا قد يشمل تقسيم اليمن لشمال وجنوب، ما يتوافق مع خطوط الحرب الحالية، ويجب أن تلبي الهدف السعودي بعدم وجود يمن قوي على حدودها.
يعدّ اليمن أكثر مشكلة عاجلة، بشأن العلاقات السعودية الأمريكية وتحالفهما. تحتاج العلاقات الواسعة مع السعودية الحفاظ عليها، لدورها في عدد من قضايا المنطقة، كذلك باعتبارها سوق نفط عالمية مهمة. لكن إبقاء قادة السعودية سعداء، لا يعدّ هدفًا بحد ذاته لأمريكا. تملك السعودية أهدافًا على أساس الانقسامات العرقية والدينية والمنافسات المحلية، التي لا تعتبر أهدفًا للولايات المتحدة. يجب أن يبنى التعاون على المصالح المتقاربة، والصدق حول الخلافات يجب أن يسود.
ينطبق نفس هذا المنظور، على المنافسة بين السعودية وإيران. سيكون من الصعب إيجاد أسباب تفضيل جانب على آخر، خصوصًا السعودية في هذا التنافس. هذا التنافس يعدّ شأنًا إقليميًا يخدم مصالح أمريكا، من خلال المساعدة في منع ظهور سيادة إقليمية. ويجب أن يكون ميل الولايات المتحدة للظهور، في حالة تصحيح الخلل فقط.
علاقات الولايات المتحدة مع إيران، يجب أن تركز قريباً على التنفيذ المستمر للاتفاقية، التي تحد من البرنامج الإيراني النووي. أي جديد في الاتفاقية سيؤدي لانتكاسات في منع الانتشار النووي، ويفتح الطرق لإيران لبناء سلاح نووي. هذا الاتفاق أزال الأغلال من دبلوماسية أمريكا الإقليمية، ويجب أن يبنى فوقه، من خلال التحرك نحو المزيد من الاتفاقيات الطبيعية مع إيران.
علاقات دبلوماسية كاملة، محتمل أن تكون أكثر من السياسية، من خلال رأس المال خلال السنوات الأربع المقبلة، على الرغم من أن إنشاء الولايات المتحدة، قسم مصالح أمريكية في طهران، سيكون ذو فائدة لتسهيل التواصل. تعاون على مستوى منخفض في قضايا متوازية، مثل المشاكل الأمنية في العراق وأفغانستان، سيكون ذا فائدة. حيث تختلف المصالح، يجب اتباع مصالح الاتفاق النووي، المتطلبات التي يجب القيام بها محددة، بجانب إدارك أن الولايات المتحدة، يجب أن تتخلى عن شيء للحصول على آخر .
السياسات المحلية الإيرانية، ستتأثر بمدى تطور العلاقات خلال السنوات القادمة. التحرك في اتجاه علاقة أكثر جدية، سيفيد في طهران، التي تفضّل التعامل بشكل طبيعي، وتُضعف من يفضلون المواجهة. روابط اقتصادية عظيمة مع الغرب، مع نتائج تحسن الاقتصاد الإيراني، ستقوي العوامل المعتدلة، مثل الرئيس حسن الروحاني، الذي من المحتمل انتخابه لفترة ثانية.. الأزمة الاقتصادية في طهران لا تعتبر من مصالح أمريكا.
في أماكن أخرى بالشرق الأوسط، اتباع نهج انتقائي في بعض القضايا، يجب أن تشكل السياسة الأمريكية. تعتبر مصر مهمة بسبب مساحتها ومكانتها في العالم العربي، وستتطلب تعاملًا بانتقاء، في الوقت الذي يؤدي تزايد الحكم القاسي لعبد الفتاح السيسي، إلى تزايد العنف وعدم الاستقرار. مصالح الولايات المتحدة في التعاون الأمني مع مصر، لازالت موجودة، لكن يجب على واشنطن تشكيل العلاقة، لتجنب تشابكها مع النظام أو إتهامها بإبعاد أصدقائها، كما تم اتهامها بعد تخليها عن مبارك.
وهذا ما يترك موضوعًا أخيرًا في المنطقة، وهو الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. أي تحرك دبلوماسي جديد نحو هذه الازمة، يتم وصفه بعديم الجدوى. بعض من هذه الآراء، جاءت من مراقبين عايشوا جهودًا فاشلة في الماضي. بعضها يأتي من داعمي الحكومة الإسرائيلية الحالية، الذين يفضلون عدم وجود أفعال أو تركيز على الاحتلال. لكن الأسباب القوية لأهمية وجود جهود متجددة لحل هذا الصراع، لا زالت قائمة.
هذا الأزمة، تستمر في التداخل مع مشاعر الجماهير، حتى من خارج المنطقة، ويتم استغلالها مرارا وتكرارا من قبل متطرفين عنيفين. علاوة على ذلك، فإن الوقت حان لإيجاد حل الدولتين، مع استمرار حكم إسرائيل العسكري على الضفة الغربية، الذي يهدد مثل هذا الحل. الضغط من أجل وجود دولتين، الناتج الوحيد الذي يدرك التطلعات القومية لكلٍ من اليهود والعرب، لا يستبعد اللجوء للخطة البديلة، لوجود حقوق متساوية للجميع تحت مظلة دولة واحدة.
على عكس العدد الذي لا يحصى من المشاكل الساخنة للمنطقة، وربطها الخاطئ بملكية الولايات المتحدة، فإن أمريكا أفنت في هذه المشكلة سنوات من الدعم المادي والدبلوماسي لإسرائيل. تركيز خاص لأمريكا على هذا الصراع، أكثر من المشاكل الأخرى -سواء الإنسانية أو حقوق الإنسان- مبرر ليس فقط للحد من الضرر الذي لحق بالولايات المتحدة، بسبب ربطها بأفعال إسرائيل على الارض، كذلك كمسألة أخلاقية بسبب إعطاء أمريكا غطاءً دبلوماسيًا وتسهيلها لهذه الأفعال. أخذ الرئيس الأمريكي مكتبة بأموال تقدر بحوالي 38 مليار دولار، كهدايا من دافعي الضرائب، لمواطني إسرائيل، الذين يعيشون في واحدة من أكثر الدول المزدهرة، وسيستمروا في دفع المزيد للإبقاء على الجيش الإسرائيلي، أكثر جيش بارز في المنطقة. بغض النظر عن محاولة الإدارة الأمريكية فالصراع لا يمكن لأحد أن يتهم واشنطن بعدم كونها بطلة، فيما وصلت إليه إسرائيل من أمن وإزدهار.
ما يجب أن تفعله الإدارة الجديدة، يعتمد على ما ستفعله إدارة أوباما في أيامها الأخيرة. لكن التركيز يجب أن يكون على الأرجح، متعلقًا باشتراك أجهزة متعددة من الأمم المتحدة، مثلما هو الحال مع قرار مجلس الأمن، بطرح ميزات لا يمكن تجنبها في أي تسوية عادلة.. مثل هذا النهج المتعدد، يمكن أن يتباين مع الإجراءات الأحادية، التي كانت غير مساعدة، ومثّلت اعترافًا ضمنيًا أن الولايات المتحدة ربطت نفسها في عقدة سياسية، بالتالي لم تكن فعالة.
على الرغم من أن المصالح الأمريكية، يجب تميزها دوما عن المصالح الإسرائيلية، إن الطريقة الوحيدة للتعامل مع المقاومة السياسية الداخلية، التي لا مفر منها للمبادرة الدبلوماسية، هو وضع إطار للحاجة لها بشأن مستقبل إسرائيل نفسه. استمرار الصراع، يعني أن إسرائيل لن تعيش أبداً في سلام، ولن تكوّن علاقات طبيعية مع جيرانها، وأنها ستعيش للأبد بالقوة، كنتيجة لذلك، فإن بعض المهمشين في وسطها يعيشون بالسكين. من يدعون أنفسهم بداعمي إسرائيل الأقوياء، يجب أن يقرروا إذا كان هذا المستقبل الذي يريدوه.
تحتاج الولايات المتحدة الابتعاد عن الشرق الأوسط في بعض المشكلات، لكن ليس في المجمل. يجب أن تبتعد عن سياسة التدخل، التي جعلت المنطقة منطقة استنزاف لحياة وموارد أمريكا.. تحتاج للتخلّي عن المشاكل الإقليمية . إدارة ترامب ستحتاج إلى الاستمرار في إعطاء لهتمام سياسي بالمنطقة.
صحيفة”ناشونال إنتريست”
جريدة الحقيقة الإلكترونية
