عن مسلسل الانفجارات في الضاحية
يعتبر تفجيرا برج البراجنة الهجوم الأوّل منذ 23 حزيران 2014، ويجمع المحللون السياسيون أنّه الأعنف منذ انتهاء الحرب الأهلية قبل 25 عاماً. وكان أوّل المسلسل انفجار بئر العبد الذي حصل في 9 تموز 2013، بعد إطلاق صاروخين في ابريل 2013، استهدفا منطقة الشياح. وقد وقع التفجير الثاني في أقلّ من أربعين يوماً في منطقة الرويس في 16 اغسطس2013، راسماً بدماء الشهداء ملامح خطر انزلاق البلاد في مسلسل التفجيرات. وقد اتخذت التفجيرات منحى جديداً في 19 تشرين الثاني 2013، مع استهداف السفارة الإيرانية في منطقة بئر حسن بالجناح من طريق عمل انتحاري تبنته كتائب عبد الله عزّام المرتبطة بالقاعدة. تلاه في 2 اكتوبر 2014 انفجار في حارة حريك، تبعه آخر في 23 يوليو2014 قرب حاجز للجيش اللبناني عند مستديرة شاتيلا. اعتقد الجميع أنّ هذا التفجير هو ختام هذا المسلسل المرعب، لكن يبدو أن الخطر قد عاد وأطل برأسه من جديد. وعن توقيت عودته خصوصاً أننا لم نشهد على أي تفجير منذ مدة سألنا الكاتب والمحلل السياسي في جريدة “النهار” سركيس نعوم الذي عزا السبب إلى “عمل الأجهزة الفاعل والتنسيق في ما بينها، ومع أجهزة الاستخبارات الأجنبية المعنية بالحرب على “داعش”، الامر الذي يفسر عمليات إلقاء القبض على شبكات وإحباط عدد كبير من العمليات”. ويتابع نعوم أنّ “تنظيم “داعش” وأخواته لم يكونوا في تلك الآونة في وضع حرج ودقيق لدرجة تدفعهم إلى المخاطرة والقيام بعمليات وبأيّ ثمن. ولكن حالياً أعتقد أن هناك إجماعاً دولياً على ضرورة محاربتهم، ومنها التدخل الروسي الموجع، هذه العوامل حدت بـ “داعش” إلى الرد في الأماكن ذات الخاصرة الأضعف، والتي من الممكن أن يصلوا إليها، فضرب في لبنان. وفي أوروبا كانت فرنسا بحسب إمكاناتهم الأسهل لإجراء عمليات فيها”.
استراتيجية التفجير
هذا الانفجار الذي تبنّاه “داعش” أتى بعد يومين من استعادة الجيش السوري مطار كويرس العسكري في خطوة لها دلالاتها. وكان الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصرالله قد تحدّث عن الأهمية الاستراتيجية لاستعادة هذا المطار الذي سيطر عليه التنظيم منذ نحو سنتين. وقد استطاعت الأجهزة الأمنية تفكيك عبوة ناسفة في منطقة القبة – طرابلس في ساحة الأميركان في 12 نوفمبر 2015. وتزامن الهجوم مع استعادة المشهد السياسي الداخلي في لبنان بفضل التسوية وإقرار 24 مشروعاً واقتراح قانون من بينها استعادة الجنسية.
وفي هذا السياق، يشير قائد الشرطة القضائية السابق والمحلل الجنائي الاستراتيجي العميد أنور يحيى لـ “النهار” إلىّ أنّ “العمليات الانتحارية من أصعب العمليات التي على رجال الأمن تداركها، فهي تستهدف أمن وسلامة وكيان الوطن وليس فقط كيان الشيعة ولا كيان المقاومة ولا حزب الله، إذ هناك شقّ إنساني في الموضوع”.
ويوضح أنّ “حزب الله وضع تدابير وقائية عدة حول مداخل الضاحية، كما ثمة حواجز للجيش اللبناني والأمن العام. قد لا نشهد دخول سيارة مفخخة ضمن نطاق الضاحية الجنوبية، لكن من المستحيل ضبط دخول مواطنين وأشخاص عاديين إلى الضاحية إذ من غير الممكن تفتيشهم جميعاً للتأكّد إن كان بحوذتهم متفجرات أم لا”.
ويرى أنّ الحلّ في منع حصول العمليات الانتحارية يكون “لا بمواجهتها، إنما باحتوائها عبر الشق الوقائي الذي يعتمد على الاستعلام الصحيح، الاستخبارات الصحيحة، تفعيل هيبة الدولة وإيجاد مظلة سياسية تسمح للأجهزة الأمنية اللبنانية بالتعاون لتتصدى للعمل الإرهابي قبل وقوعه. كذلك انتظام عمل المؤسسات من مجلس النواب والحكومة وضرورة إنتخاب رئيس جمهورية في أسرع وقت”.
لمَ لبنان هدف لـ “داعش”؟
في مقالة نشرت في موقع الهافينغتون بوست البريطاني في الرابع من أيلول 2015، تحدّثت الكاتبة جانيس باور عن العوامل التي تجعل لبنان فريسة سهلة للدولة الإسلامية. فهو أولاً، يتشارك بمعظم حدوده مع سوريا، وهو أيضاً يعاني فراغاً رئاسياً منذ أكثر من سنة. أضف إلى ذلك، إلى أنّه البلد الذي يضم أكبر عدد من اللاجئين السوريين نسبة إلى مساحته الصغيرة. كما ثمة البنى التحتية التي على وشك الإنهيار، خصوصاً في ظلّ أزمة النفايات، هذا فضلاً عن الحرب الأهلية التي لم يفارق شبحها لبنان بعد.
في الإطار عينه، يؤكد نعوم على ما سبق أن قيل، ويضيف أنّ “تفضيل لبنان كوجهة إرهابية يعود إلى ” الخلاف اللبناني السني الشيعي حول الموضوع السوري، وتحوّل الثورة السورية من ثورة سياسية إلى ثورة مسلّحة نتيجة قمع النظام السوري الذي ازداد بسبب عدم تدخل فاعل من الدول العربية أو الولايات المتحدة، مما أدى إلى ظهور داعش وغيره من المجموعات الإرهابية وسيطرتها على الساحة السورية. بداية كان هناك تدخل عشوائي من الفريق اللبناني السني لأن ليس هناك من تنظيم لدى السنّة، على الرغم من وجود جمعيات إسلامية متشددة أو أشخاص متحمسين وصل عددهم بضع مئات. ثم دخل حزب الله سوريا، فأصبح لبنان جزءاً من الحرب في سوريا الامر الذي عطّل أكثر الحياة السياسية. من هنا صار لبنان ساحة منذ زمن، لأن هناك نازحين كثراً، ووجوداً فلسطينياً كبيراً وانتماء وولاء طائفياً لدى بعض اللبنانيين، وتالياً أصبح البلد مفتوحاً على رغم عمل ووجود كلّ الأجهزة الأمنية وغيرها، فلا يستطيعون سدّ كل الثغر”.
نقلا عن جريدة النهار اللبنانية
مرتبط