حالة من الفوضى في انتقال جهاز ترامب أدت إلى قصص إخبارية كبيرة، ووصل حجمها لدرجة أن الرئيس كتب منشور على موقع التواصل الاجتماعي “تويتر” ليؤكد أنه ليس هناك أية فوضى، ووبخ صحيفة “نيويورك تايمز” لتغطية هذه الفوضى، وسط حالة من السباق بين الصحف على تغطية الانتقالات وأيًا من المناصب سوف ينصب عليها الاهتمام الأكبر، فيما لم يأخذ أحد هذا الموقف كتذكير آخر لعدم جدوى هذا التشوش والاضطراب.
وتعتبر الولايات المتحدة الأمريكية الوحيدة بين الديموقراطيات الأخرى التي تضع نفسها في مصادر تشويش، في حين يتم تغيير الآلاف من المسؤولين الحكوميين في كل مرة يختار الناخبون تغيير القيادة السياسية، وما يعد أكثر شيوعًا في الديموقراطيات الصديقة هو تغيير الحكومة التي تستلزم استبدال لائحة الوزراء وقائمة بها عدد قليل من المساعدين والموظفين، مع خدمة مهنية دائمة، ويأتي بعدهم المسؤولون عن تنفيذ السياسات والتي تم تحديدها مع الرئيس الذي تم انتخابه، ومن أكثر المناصب التي تم التركيز عليها حتى الآن هي وظائف الوزراء، ولكن هناك آلاف الوظائف الأخرى؛ حيث أن الفوضى لم تبدأ بعد.
ويعد الارتباك أسوأ هذا العام؛ لأن الكثير من سياسات الرئيس المفترضة لديها قراءة مشوشة، بدءًا من تصريحاته المجتزأة وتعليقاته المتناقضة خلال حملته الانتخابية، مع عدم وجود خدمات عامة من جانبه للوصول إلى استنتاج، وعلاوة على ذلك فبسبب أن برنامج ترامب كان خالٍ من الخبرة والجودة؛ فإن هناك كثيرون يطمحون للوصول إلى هذه الوظائف، ولكن عيوب هذه العملية التخريبية ليست غريبة على هذه الانتقالات أو على ترامب نفسه.
ويعد واحد من أكبر العيوب هو الاختلال في حد ذاته؛ حيث أدى إلى إعاقة البرامج الحكومية والعلاقات الخارجية، إذ أن الوافدين الجدد لازالوا يتعلمون، في الوقت الذي يجب فيه بدء العمل، ويعتبر أن هذا أصبح روتينًا مع كل انتقال جديد لعدد من الوظائف الأساسية، والتى تبقى شاغرة لأشهر بعد كل تغيير رئاسي.
والتغيير الذي يحدث كل أربع سنوات في حكومة الولايات المتحدة، ربما تكون متسقة مع هذه العادة من التفكير في سياسة الولايات المتحدة بشأن الإدارات المتميزة، ولكنها غير متسقة مع حقيقة أن أهم الأعمال وأهم مصالح الولايات المتحدة يجب أن تستمر في جميع الإدارات، وهذا بالتأكيد ينطبق على الكثير من المشاكل الأساسية في العلاقات الخارجية.
وقد وصل التشويش في الانتقال في إدارة ترامب إلى الشركاء في الخارج، وما يعد أسوأ هو تجنب ترامب للإجراء المعتاد بمباشرة الاتصالات الخارجية من خلال مكتب العمليات بوزراة الخارجية.
وما لا يقل أهمية، هي الخبرات والتجارب والمعرفة التى تأتي من العمل المستمر على مشكلة، وهو أمر هام في سياسة الإدارة الجديدة، وهو ما يكتسبه الشخص من الخدمات الأهلية المهنية ولا يحصل عليها من التعيين المباشر، ويبدو أن الدعم السياسي قبل الانتخابات هو معيار هام في تعيينات ترامب كما سيكون في الإدارات القادمة.
المنطق الطبيعي في التعيينات السياسية، هو التأكيد أن سياسات الرئيس المنتخب سيتم تنفيذها بشكل كامل بما يتفق مع سياسة المبدأ الديموقراطي، والذي سوف يعكس إرادة المصوتين الذين انتخبوا الرئيس، وفي الواقع فإن معظم شاغري هذه الوظائف لا علاقة لهم بما يريده الشعب، وهو ما يؤدي إلى سياسات يمكن أن تتناقض مع هذه الإرادة، وهو ما يضع الأشخاص في هذه الوظائف في وضع للميل لتنفيذ الأجندة الخاصة بهم، بدلاً من الأجندة الخاصة بالرئيس.
في أغلب السنوات، فإن أكثر عامل مؤثر في هذه التعيينات هو الأشخاص الطامحين، والذين يرغبون في الوصول لمناصب عُليا في السلطة التنفيذية، وأعطى هؤلاء الأشخاص في المراحل الأولي من الحملة الانتخابية توقعات سياسية أفضل من غيرهم، ووسط فوضى هذا العام فإننا لدينا مشهد من التعيينات للمناصب العليا تعتمد على أشياء مثل الصراع الداخلي حول مَن سيدير هذه الانتقالات، وهذا بدوره يعتمد على أشياء مثل انتقام أحد أقارب الرئيس المنتخب من رئيس الانتقالات السابقة؛ لأنه حاكم والده في جرائم مثل التهرب من الضرائب، ولا علاقة بأيٍ من هذا بالديموقراطية.
التطهير الدوري من المناصب العليا هو واحد من طرق عديدة، والتي يتردد الأمريكان في الاعتراف بها، ولكن تتخلف فيها أمريكا عن كثير من الديموقراطيات الأخرى، وانتخابات هذه العام تعطي عدد من الأسباب لنظام برلماني على الطريقة البريطانية، وأول هذه الأسباب هو أن التعيينات على المستوى الوزاري تركز على سياسات فريق الانتقالات؛ حيث يدخل ضمن المحتملين أعضاء الحزب الفائز.
النظام البريطاني أيضًا يعتبر أفضل وأوضح في فهم الأشخاص المسؤولين عن السياسات، ومن سيحاسب على الفشل أو يكافئ للنجاح، وعلى الرغم من مزايا الضوابط في نظام الولايات المتحدة؛ إلا أنها لا توفر محاسبة ديموقراطية.
وقال نورمان أورنستن، إن التصويت في انسجام ضد كل شيء وتعطيل كل شيء حتى الأشياء التي يحبها الشعب؛ لتعطيل العمل، سيؤدي لضرر بالبلاد في المدى القصير لجني المكافآت السياسية في الانتخابات القادمة، وتعتبر انتخابات هذا العام نتيجة لذلك؛ حيث أن عدد كبير من الناخبين أصبحوا محبطين مع فشل الحكومة لتقديم دعم أفضل للصحة العامة، ولكنهم وجهوا غضبهم بطريقة سيئة.
ويتطلب الانتقال لنظام برلماني تغيير دستوري كبير لن يحدث، ولكن لا يوجد شيء في الدستور يتطلب التطهير المتهور والمشوش كل أربع سنوات، ولا يمكن إلقاء اللوم على مؤسس ذلك، والسبب الرئيسي أن هذا الخطأ لن تم إصلاحه في الديموقراطية الأمريكية؛ فهو إحجام أي مرشح للامتناع عن القدرة عن تقديم العديد من الأشياء المميزة .
جريدة الحقيقة الإلكترونية